علي بن محمد الحموي ( ابن حجة الحموي )

116

ثمرات الأوراق

فكتب قصّته ، وجعلها على قصبة رفعها إليه « 1 » ، فقال : ما شأنك ؟ فقصّ عليه القصّة ، فقال : اذهب غدا واجلس على دكّان العطّار ثلاثة أيام حتى أمرّ عليك في اليوم الرابع ، فأقف وأسلّم عليك فلا تردّ عليّ إلّا السلام ، فإذا انصرفت فأعد عليه ذكر العقد ثم أعلمني بما يقول لك ، ففعل الحاجّ ذلك ، فلمّا كان في اليوم الرابع ، جاء عضد الدولة في موكبه العظيم ، فلمّا رأى الحاجّ وقف ، وقال : سلام عليكم فقال الحاجّ - ولم يتحرّك - : وعليكم السلام . فقال : يا أخي تقدم من العراق ولا تأتينا ، ولا تعرض علينا حوائجك ! فقال له : ما اتّفق هذا ، ولم يزد على ذلك شيئا ، وهذا والعسكر واقف بكماله ، فانذهل العطّار ، وأيقن بالموت . فلمّا انصرف عضد الدولة ، التفت العطار إلى الحاجّ ، وقال له : يا أخي متى أودعتني هذا العقد « 2 » ! وفي أيّ شيء هو ملفوف ؟ فذكّرني لعلّي أتذكّر . فقال : من صفته كذا وكذا ، فقام وفتّش ، ثم فتح جرابا وأخرج منه العقد . وقال : اللّه أعلم أنني كنت ناسيا ، ولو لم تذكّرني ما تذكّرت . فأخذ الحاجّ عقده ومضى إلى عضد الدولة ، فأعلمه [ فبعث به مع الحاجب إلى دكّان العطّار ] « 3 » فعلّقه في عنقه ، وصلبه على باب دكّانه ونودي عليه : هذا جزاء من استودع فجحد « 4 » ! ثم أخذ الحاجّ العقد ومضى إلى بلاده « 5 » . ومثله ما نقل عن ذكاء إياس الذي سارت به الرّكبان قيل : إنّ رجلا استودع أمين إياس مالا ، وخرج المودع إلى الحجاز ، فلمّا رجع طلبه فجحده ، فأتى إياسا فأخبره . فقال له إياس : أعلم « 6 » أنك أتيتني ؟ قال : لا . قال : أفنازعته عند غيري ؟ قال : لا ، قال : فانصرف واكتم سرّك ، ثم عد إليّ بعد يومين . فمضى الرجل ، ودعا إياس أمينه ، فقال : قد حضر عندنا مال كثير أريد أن أسلّمه إليك ، أفحصين منزلك ؟ قال : نعم . قال : فأعدّ موضعا للمال ، وقوما يحملونه . وعاد الرّجل إلى إياس ، فقال : انطلق إلى صاحبك فإن أعطاك المال فذاك ، وإن جحد فقل له : إنّي أخبر القاضي بالقصّة . فأتى الرجل صاحبه ، فقال : تعطيني الوديعة أو أشكوك إلى القاضي ، وأخبره بالحال ، فدفع إليه المال ، فرجع الرجل وأخبر إياسا ، وقال : أعطاني الوديعة ثمّ جاء

--> ( 1 ) ط : « وعرضها عليه » . ( 2 ) ب : « ذلك العقد » . ( 3 ) تكملة من كتاب الأذكياء . ( 4 ) ط : « ثم جحد » . ( 5 ) الأذكياء : 31 ، 32 . ( 6 ) ط : « أعلمته » .